خطب و دروس

7310 0

الرئيسية » الفتاوى » سنة الجمعة القبلية

بحث في الفتاوى

صفحة للطباعة
ارسل الى صديق
سنة الجمعة القبلية

السؤال رقم 1211 - كتاب البدعة / تاريخ النشر 2011-01-10        

السؤل:

       هل صحيح أن صلاة سنة الجمعة القبلية بدعة وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يصلها؟ وما هو الضرر على من يصليها هل يأثم أو يؤجر؟

الجواب:

       سنة الجمعة القبلية من الأمور الفرعية في الدين وليست من الأمور العقائدية فلا يستوجب أن تُجعل نقطة خلاف ونزاع بين المسلمين؛ إذ إنَّ البعض أخذ يشدد في إنكارها والنهي عن صلاتها أكثر من تشديده على المنكرات المتفق على تحريمها بدافع الهوى والتشهي لا بدافع الوقوف على القول الحق والراجح.

وإليك تفصيل الإجابة:

  أولاً: لا يجوز إطلاق البدعة على سنة الجمعة القبلية ولا يجوز إطلاق لفظ المبتدع على من يصليها لأمور:

       1- منها أنه لم يحصل خلاف في مشروعية الصلاة النافلة قبل صلاة الجمعة، إلا أنهم اختلفوا في هل هي سنة الجمعة القبلية، أو هي صلاة نفل مطلق؟

       وعلى كلا الرأيين فإن الصلاة قبل الجمعة مشروعة وليست بدعة يدخل فاعلها النار.

       2- ومنها أنها من المسائل المختلف في ثبوتها ونفيها، وكل ما يحصل به خلاف بين العلماء لا يجوز إطلاق لفظ البدعة عليه؛ لأن فيه شبه مشروعية.

       3- وعلى فرض عدم ورود دليل لإثباتها فلا يقال: إن صلاتها بدعة؛ لأنها تصلى في وقت ليس منهياً عن الصلاة فيه، والمسلم من حقه أن يتنفل في أي وقت شاء ما لم يكن وقت كراهية.

  ثانياً: ثبوت كونها راتبة قبل الجمعة حصل فيه الخلاف التالي:

       أولا: ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأنها سنة مؤكدة راتبة قبل الجمعة منهم معظم فقهاء المذاهب الأربعة وابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، والثوري، والنخعي، وابن المبارك.

واستدلوا بما يأتي:

       1- ما رواه عبد الله بن الزبير أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما من صلاة مفروضـة إلا وبين يديها ركعتان)) (1) رواه ابن حبان وصححه. فهذا العموم يشمل فريضة الجمعة ولا يوجد دليل لتخصيصها من هذا الحديث.

       2- ما رواه ابن ماجـه والطبراني في معجمه الكبيـر عن ابن عبـاس -رضي الله عنهما- قال: (كَانَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- يَرْكَعُ مِنْ قَبْلِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا لاَ يَفْصِلُ فِى شَىْءٍ مِنْهُنَّ) (2) وهذا الحـديث ضعيف.

       قال النووي فيه: (وهو حديث باطل اجتمع فيه هؤلاء الأربعة: وهم ضعفاء ومبشر وضاع صاحب أباطيل) والأربعة هم بقية بن الوليد عن مبشر بن عبيد عن حجاج بن أرطاة عن عطية العوفي.

       إلا أن متن هذا الحديث قد رواه أبو الحسن الخلعي في فوائده بإسناد جيد كما يقول الزين العراقي في طرح التثريب من طريق أبي إسحاق عن عاصم بن حمزة عن علي -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

       وكذا رواه بهذا الإسناد الطبراني في الأوسط عن علي -رضي الله عنه- ثم إنه يقوى بالأثر الآتي:

       3- بما روى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً، وروى مثله الطبراني عن أبي إسحاق عن ابن مسعود، ورواه الترمذي وابن أبي شيبة أيضاً (3).

       4- روى عبد الرزاق عن الثوري عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال كان عبد الله –أي ابن مسعود– يأمـرنا أن نصلي قبل الجمعة أربعـاً وبعدها أربعاً. ورواه الطبراني أيضاً عن طريق عبد الرزاق وغيره (4).

       فإن قيل: إن في إسناده عطاء بن السائب وهو ثقة إلا أنه اختلط. يقال: إن هذه الرواية عن الثوري وهو قد سمع من عطاء قبل اختلاطه باتفاق المحدثين.

       وبهذين صح عن ابن مسعود أنه صلى أربعاً قبل الجمعة وأمر بها ولا شك أن فعل وقول الصحابي في أمور لا تقبل الاجتهاد له حكم الرفع.

       5- قد يستدل لثبوتها بما يرويه البخاري عن عبد الله بن مغفل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((بين كل أذانين صلاة)) (5) فإنه يشير إلى وجود صلاة بين الأذان الأول والأذان الثاني وليس ذلك إلا السنة القبلية للجمعة.

       فإن قيل إن الأذان الأول لم يكن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حينما قال الحديث. قلنا: إنه شرع بسنة سيدنا عثمان وأقره الصحابة عليه دون وجود منكر فصار إجماعاً ولا شك أن أي سنة يسنها الخلفاء الراشدون تعد مقرة من قبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القائل: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي))...الحديث.

       6- إثبات السنة قبل الجمعة من فقه الإمام البخاري؛ لأن فقهه منطوٍ في عناوين صحيحه حيث جاء العنوان (باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها) فهو ذكر القبلية فيه ولم يذكرها في الحديث استناداً إلى المبدأ الذي سار عليه في صحيحه أنه لا يكتب فيه كل صحيح إلا ما ثبت أن الراوي قد عاصر والتقى بمن روى عنه.

       فلعله قد ثبت لديه دليل ثبوتها ولكن الدليل لم يكن بالدرجة التي التزمها في صحيحه، وإليك نص الحديث: عن ابن عمر -رضي الله عنه- : (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين في بيته وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين) (6).

       قال ابن حجر في فتح الباري: " وقال ابن التين لم يقع ذكر الصلاة قبل الجمعة في هذا الحديث، فلعل البخاري أراد إثباتها قياساً على الظهر. انتهى.

       قواه الزين بن المنير (بأنه قصد التسوية بين الجمعة والظهر في حكم التنفل كما قصد التسوية بين الإمام والمأموم في الحكم. وذلك يقتضي أن النافلة لهما سواء) أ.هـ. فإن قيل يحمل ما ورد على التنفل قبل دخول وقت الجمعة لا قبل صلاة الجمعة.

       قلنا: إن الأصل في الحمل أن تحمل لفظ " قبل" على قبل الصلاة لا على قبل الوقت بدليل أن العلماء اتفقوا على أن المراد من قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث آنف الذكر " كان يصلي قبل الظهر" هو قبل صلاته لا قبل وقته، فيراد بالصلاة هنا السنة القبلية للظهر ولا يراد به النفل المطلق ولا قبل الزوال.

       7- بما روى أبو داود وابن حبان من طريق أيوب عن نافع قال: (كان ابن عمر رضي الله عنهما يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته ويحدث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يفعل ذلك) (7).

       يقول ابن حجر: (احتج به النـووي في الخلاصة على إثبات سنة الجمعة التي قبلها).

       8- جاء في المغني لابن قدامة : (روى عمر بن سعيد بن العاص عن أبيه قال: كنت أبقي أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا زالت الشمس قاموا فصلوا أربعاً، قال أبو بكر: كنا نكون مع حبيب بن أبي ثابت في الجمعة، فيقول أزالت الشمس بعد؟ ويلتفت وينظر فإذا زالت الشمس صلى الأربع التي قبل الجمعة).

       وبمجموع هذه الأدلة يمكن القول بأن سنة الجمعة القبلية مشروعة وليست بدعة لا بل إنها سنة راتبة كسنة الظهر القبلية.

       ثانياً: ذهب أكثر الحنابلة منهم ابن تيمية وابن القيم، وبعض الشافعية إلى عدم وجود سنة للجمعة قبلية وما ورد بذلك فإنه يحمل على التنفل المطلق.

       واحتجوا لذلك بأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج من بيته يوم الجمعة فيرقى المنبر ثم يؤذن بلال بين يديه فإذا فرغ بلال من أذانه قام عليه السلام فشرع في الخطبة من غير أن يفصل هو أو أصحابه بصلاة سنة بين الأذانين والخطبة ولم يكن في عهده عليه السلام إلا الأذان الثاني.

       وبهذا يتبين أنه لم يصلّ هو ولا أصحابه السنة القبلية، وما صلاة الجمعة إلا كصلاة العيد لا سنة قبلها. وبالتالي فالصلاة قبل الجمعة ليست مشروعة، باعتبارها راتبة وسنة قبلية لها.

والجواب عن هذا من وجوه:

       الوجه الأول: أن هذا لا يدل على نفي صلاة قبل الجمعة بل ينفي الصلاة بين خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين الخطبة ونفي الصلاة بعد خروجه لا يدل على أنه لم يصَلّ بعد الزوال وقبل الجمعة سنة؛ إذ من المحتمل أنه صلاها في بيته قبل خروجه كما هو شأنه في بقية الرواتب حيث كان يصليها غالباً في بيته ولا سيما قد ورد في أدلة الجمهور أنه كان يصلي البعدية في بيته فكذا القبلية.

       وقد روى مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعاً ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي في الناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين... الحديث".

       فإن قيل فكيف تثبت صلاته قبل خروجه؛ إذ لا يدل خروجه من بيته ثم يرتقي المنبر على أنه صلى في بيته كما لا يدل على عدم صلاته.

       قلنا: أدلة المثبتين على ثبوت صلاته لها في بيته -صلى الله عليه وسلم- تدل على ذلك.

       وأيضاً: بما روى أحمد والترمذي وحسنه بل صححه الشيخ أحمد شاكر عن عبد الله بن السائب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي أربعاً بعد أن تزول الشمس قبل الظهـر ويقول: ((هذه سـاعة تفتح فيها أبواب السمـاء فأُحِبُّ أن يصعد لي فيها عمل صالح)) (8).

       وفي رواية للإمام أحمد: (أدْمَنَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أربع ركعات عند زوال الشمس) (9)، والعلة هي أن أبواب السماء تفتح في تلك الساعة، فهل أنها تفتح في جميع الأيام وتغلق بعد زوال يوم الجمعة؟ وما الفرق بين يوم الجمعة وغيره؟

       الوجه الثاني: أدلة الجمهور التي بمجموعها تثبت سنة قبلية للجمعة أدلة مثبتة، وما جاء به مخالفوهم دليل ينفي فعلى فرض دلالتها على نفي السنة ومساواتها لأدلة الجمهور في القوة، فإن المثبت مقدم على النافي كما هي القاعدة الأصولية في الترجيح.

       الوجه الثالث: إن قياس الجمعة على صلاة العيدين في عدم وجود سنة قبلية للعيد قياس مع الفارق؛ لأن الجمعة فرض يمكن أن يكون قبلها وبعدها سنة، أما صلاة العيدين فإنها سنة مؤكدة على أرجح الأقوال فكيف تكون للسنة المؤكدة سنة قبلية أو بعدية مثلها.

       الوجه الرابع: إن تشريع الأذان الأول في عهد سيدنا عثمان -رضي الله عنه- كان باتفاق المسلمين فأصبح الأذان مشـروعاً فلا بد من شمول هذا الوقت بالسنة المطـلوبة بقولـه -صلى الله عليه وسلم- : ((بين كل أذانين صلاة))، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية في الفتاوى: (ويتوجه أن يقال: هذا الأذان لما سنه عثمان واتفق المسلمون عليه صار أذاناً شرعياً وحينئذ فتكون الصلاة بينه وبين الأذان الثاني جائزة حسنة وليست سنة راتبة كالصلاة قبل المغرب، وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكر عليه ومن ترك ذلك لم ينكر عليه وهذا أعدل الأقوال) (10).

       وبعد هذا لم يبق أي مجال لمن ينكر وجود سنة قبل صلاة الجمعة، وأوصي الأخوة المتحاملين عليها بتخفيف الحملة على مثل هذه الأمور الخلافية حرصاً على وحدة المسلمين.

 


(1) رواه ابن حبان في صحيحه برقم 2455، والدارقطني برقم 7.

(2) رواه ابن ماجه برقم 6055، والطبراني في الكبير برقم 12674.

(3) رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم 5525، والطبراني في الكبير برقم 9551، والترمذي برقم 523، وابن أبي شيبة برقم 5360.

(4) رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم 5525، والطبراني في الكبير برقم 9551، والترمذي برقم 523، وابن أبي شيبة برقم 5360.

(5) رواه البخاري برقم 624، ومسلم برقم 838.

(6) رواه البخاري برقم 937 وغيره.

(7) رواه أبو داود برقم 1128، وابن حبان برقم 2476.

(8) رواه الترمذي برقم 478، وأحمد برقم 15471، والنسائي في الكبرى برقم 329.

(9) رواه أحمد برقم 23579، وغيره.

(10) فتح الباري 2/426، فتاوى ابن تيمية 4/193، المغني لابن قدامة 2/365، طرح التثريب 2/42.

عدد المشاهدات [7310]
الفتوى السابقة الفتوى التالية
أي شيء منشور في المواقع الأخرى و غير منشور في الموقع لا يُعتمد عليه و لا تصح نسبته للشيخ إلا بموافقة من إدارة الموقع .
حقوق الموقع محفوظة و لا يصح النقل الا بموافقة خطية من إدارة الموقع أو الإشارة الى المصدر.
اعلى الصفحة صفحة للطباعة ارسل الى صديق