خطب و دروس

2892 3

الرئيسية » الفتاوى » فتوى جديدة في (مدّة الصيام في الدول طويلة النهار) و بتفصيل أكثر

بحث في الفتاوى

صفحة للطباعة
ارسل الى صديق
فتوى جديدة في (مدّة الصيام في الدول طويلة النهار) و بتفصيل أكثر

السؤال رقم 3276 - تاريخ النشر 2015-12-15        

السؤال:

       كثر الكلام والاستفسار عن صيام الدول التي يطول فيها النهار إلى اثنيتن وعشرين ساعة أو اكثر أو أقل كالسويد وروسيا ونحوهما.

       فهل هم ملزمون بصيام هذه الساعات؟ أو يتبعون دولة أخرى في بداية نهار الصوم وفي وقت الافطار من الدول المتوازن فيها مدّة الصوم والافطار ولو كانت الشمس لم تغرب عندهم؟

       وقد أفتى بعض العلماء باتباع أقرب بلدة فيها النهار والليل متوازن، أو باتباع بلد المسافر، أو اتباع مكة المكرمة.

       فما هو الحكم الشرعي لبداية الصوم ونهايته فيها فيما ترونه؟

الجواب:

       كنتُ قد أصدرتُ فتوى سابقة نُشرِت على موقع الأمة الوسط بتاريخ 27/7/2012م وبعنوان (مُدَّة الصيام في الدول ذات النهار الطويل جدا) ، رقم الفتوى (2949).

       وهنا نعيدها بطريقة أخرى وبتفصيل أكثر.

       فنقول: حالات وقت الصيام في بلدان العالم أربع:

       الحالة الأولى: اعتدال وتوازن الليل والنهار، أو يكونان أقرب إلى التوازن، بأن يصل النهار إلى ثماني عشرة ساعة، وهي الحالة الموجودة في بلدان العرب والبلدان التي تكون أقرب إلى خط الاستواء.

       وهذه الحالة لا خلاف فيها في بداية ونهاية وقت الصوم.

       الحالة الثانية: طول النهار وقصر الليل، وذلك بأن يزيد النهار عن ثماني عشرة ساعة، لكن مع وجود غروب ووجود ليل (أي غياب الشفق الأحمر) وهي الحالة الموجودة في البلدان الواقعة بين خط الاستواء والقطب الشمالي.

       الحالة الثالثة: طول النهار وقصر الليل، وذلك بأن يزيد النهار عن ثماني عشرة ساعة مع وجود غروب أيضا لكن دون وجود ليل (أي يطلع الفجر قبل غياب الشفق الأحمر) وهي الحالة الموجودة في البلدان الأقرب إلى القطب الشمالي كشمال أوروبا وما يوازيه من روسيا.

       الحالة الرابعة: استمرار النهار أربعا وعشرين ساعة فأكثر، أو استمرار الليل أربعا وعشرين ساعة فأكثر، وهي الحالة الموجودة في القطب الشمالي والبلدان التي حوله كأعلى شمال أوروبا وشمال روسيا.

       وفي هذه الحالات الثلاث الأخيرة ذهب بعض المعاصرين وبعض مجالس الافتاء المعاصرة إلى جواز الإفطار على أقرب بلد من بلدان الحالة الأولى التي يكون الوقت فيها معتدلا أو قريبا من الاعتدال، وبعضهم يرى اتباع مكة.

       وممن أفتى بذلك من المعاصرين:

       الشيخ محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ جاد الحق، والشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ محمد سعيد طنطاوي، والشيخ عبد اللطيف حمزة.

       وقد اعتمدوا على قاعدة (أن النادر لا يدخل بالعموم)، وأن ما ورد في الآية الآتية من صيام أيام رمضان يعني بها الأيام العادية لا النادرة، وقد ساقوا على ذلك نصوصا لهذه القاعدة من عدة فقهاء وأصوليين.

       ثم إنهم استدلوا بحديث الدجال الذي يرويه مسلم برقم (2937) وهو طويل، ننقل منه ما يخص الموضوع وهو "قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: {أربعون يوماً: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم} قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: {لا ....أقدروا قدره}.

والذي أراه حسب التفصيل الآتي:

       أولاً: لدى أهل العلم قاعدة، وهي: "لا اجتهاد في مورد النص"، وقد ورد النص القرآني في تحديد وقت بداية الافطار ووقت بداية الصوم، أما الافطار فبقوله تعالى: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) [البقرة: 187] أي إلى ظهور الفجر، ثم يمسك عن الأكل والشرب؛ لأنه قد دخل وقت الصيام.

       وأما نهاية الصوم فبقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: 187] وعلى هذين النصين فأي بلد فيه غروب الشمس (مع وجود ليل) وطلوع الفجر لا يحق لهم الإفطار إلا بعد الغروب، ويبدأ صيامهم بطلوع الفجر.

       فهذان نصان صريحان لا يقبلان التأويل، ويُلزمان الصائم الإمساك من الفجر إلى الليل إن كان موجودا.

       فالحالة الثانية: ما دام البلد فيه أربع وعشرون ساعة وفيه فجر وليل فهو يوم وليل عاديان، غاية الأمر أن الليل فيه أقصر من النهار، ونحن ملزمون بالصيام في النهار إلى انتهائه والإفطار بالليل إلى الفجر، والغايتان المنصوص عليهما في الآية لهما وجود في هذه البلاد. وقياس أيامها ولياليها على حديث الدجال قياس مع الفارق كما سأبين في الرد على استدلال المشايخ، نعم البلاد التي اختل فيها اليوم وزاد على الأربع وعشرين ساعة -كأن يكون النهار ستة أشهر من السنة والليل ستة أشهر- يمكن قياسها على حديث الدجال ويُقَدَّر فيها للصوم والصلاة -كما سيأتي-؛ لأن الليل فُقِدَ في الأشهر الستة، والنهار فُقِدَ في الأشهر الستة الأخرى، فمن الضروري أن يُقَدَّر فيها.

       ثانيا: أمَّا الحالة الثالثة -وهي البلاد التي تغيب فيها الشمس ويظهر الفجر فيها قبل غروب الشفق الأحمر، أي يفقدون وقت الليل- : فهؤلاء يجب عليهم الصوم ولا تجب عليهم صلاة العشاء، إلا أنَّه يمكن أن يُقدَّر وقت صومهم على أقرب بلد فيه توازن في الأوقات فيفطرون عليه وإن لم تغب الشمس عندهم بعد؛ لأنه يمكن اعتبار يومهم نهاراً بما فيه حمرة الشفق وذلك لعدم الظلمة عندهم؛ لأنَّهم يفقدون الليل الذي يتناولون فيه الفطور والسحور؛ لذا أسقط البعض عنهم صلاة العتمة، فيقاسون على سكان القطب الشمالي، أوعلى يوم الدجال.

       والقول بسقوط وجوب صلاة العشاء دون سقوط وجوب الصوم: ذلك لأنَّ سبب وجوب صلاة العشاء دخول الوقت، ووقت العشاء بعد غياب الشفق الأحمر، ولا تجب على المسلم إلاَّ بعد غيابه، ولا غياب له في هذه البلدان.

       إلا على رأي لدى الحنفية أنها تصلى مع وجود الشفق الأحمر، والأصح عندي عدم الوجوب.

       أمَّا سبب وجوب الصيام: هو شهود شهر رمضان؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥] والفجر والليل وقتان لبداية ونهاية الصوم لا سببان لوجوبه، كما أنَّ تكبيرة الإحرام والتسليم فعلان لبداية ونهاية الصلاة لا سببان لوجوبها.

       ثالثا ً: أمَّا الحالة الرابعة: فيمكن قياس النهار والليل في القطب الشمالي على يوم الدجال الذي كسنة، فالنهار يكون ستة أشهر فيه والليل ستة أشهر، وبعض الدول تحته تشهد نهارا لأيام، لا يظهر فيها فجر ولا يُرى فيها غروب، فهؤلاء يقدرون ذلك على أقرب بلد فيه غروب وطلوع بشكل متوازن.

       أما اليوم العادي الذي هو أربع وعشرون ساعة وفيه طلوع فجر وغروب شمس فلا يقاس على حديث الدجال لما سأبين أدناه.

       رابعا ً: يجاب عن استدلالهم بحديث الدجال وقياسهم الدول في الحالة الثانية والثالثة على أيام الدجال: بأن القياس باطل؛ لأنه في معرض النص، والقائس ذلك يتحمل الوزر؛ لأنه مسبب لإفطارهم قبل أوان الافطار.

       ويوم الدجال الذي كسنة تبقى فيه الشمس طالعة إلى انتهاء السنة، وهذه السنة فيها شهر للصوم، وأيضاً فيه إمساك وإفطار، فأهلها يعتمدون الوقت السابق، ويقدرون النهار والليل بالأيام التي كانوا عليها قبل يوم الدجال، وكذا أوقات الصلاة.

       فيوم الدجال زائد على المعتاد وهو أربع وعشرون ساعة، والأيام في دول الحالتين مقيدة بأربع وعشرين ساعة بطلوع الفجر وغياب الشمس، غاية الأمر عدم التوازن في ليلها ونهارها، فالقياس مع الفارق.

       خامسا ً: يجاب عن قولهم باتباع مكة؛ لأنها أم القرى، بأنه إفتاء لا يعتمد على أصل، لذا لا يصح اتباعهم لمكة؛ لأنها بعيدة عنهم. وإن كان لديهم دليل على الإفطار مع بلد المسافر أو اتباع مكة فليظهروه لنا؛ لأن أيام  الدجال لم يؤمروا باتباع مكة؛ بل يعملون بما كانوا عليه سابقاً عندما كانت الأيام معتدلة سواء أهل مكة أم غيرهم، ويعمل سكان القطب الشمالي على أقرب بلد فيه توازن في الوقت، وكونها أم القرى لا يعني أن نصلي مع صلاة أهلها أو نمسك ونفطر مع أهلها، ومن الغريب أن من يفتي بذلك يرى أن يمسك على فجر بلده ويفطر على مكة فما هذه التفرقة؟! وعلى ماذا اعتمدت؟!

       والغريب أيضا: أنَّ البعض أفتى لمن يأتي إلى هذه البلاد من بلد فيه الوقتان متوازنان أن يصوموا ويفطروا على بلدهم، وهذا باطل لا يعتمد على أصل أيضا؛ بل إنَّ التقدير يكون على أقرب بلد من هذه البلاد فيه توازن (غروب وليل وفجر) وليس بلد الصائم.

       سادسا: يجاب عن استدلالهم بالقاعدة الأصولية وهي: "النادر لا يدخل تحت العموم": بأنَّ لفظ اليوم ورد في حديث الدجال، واليوم يُطلق غالبا على أربع وعشرين ساعة، وأطلِقَ على يوم هو كالسنة؛ لأنه يطول دون وجود ليل؛ لذلك جعله نادرا ويُقَدَّر له. أما اليوم في مثل هذه الأماكن فإنه يوم عادي أي أربع وعشرون ساعة إلاَّ أن النهار أطول من الليل فلا يمكن شموله بهذه القاعدة؛ لأن يوم الدجال تمر الأربع وعشرون ساعة ولا ينقضي ولا ليل فيها فهو يوم نادر.

       والأيام في هذه البلدان ليست نادرة بالنسبة لأهلها، بل يومها يوم عادي فيه طلوع فجر وغروب شمس ولا تنطبق عليه هذه القاعدة، وإلاَّ فإن اليوم والليلة في الكرة الأرضية فيها الطويل وفيها القصير، فأهل الطول لا يتبعون أهل القصير ولا العكس.

       وبالتالي: فإنَّ أهل هذه الأماكن -في الحالة الثانية- لا يحق لهم الإفطار قبل غروب الشمس عندهم وعليهم الإمساك عند طلوع الفجر عندهم إنسجاما مع نص الآية السابقة.

       إذن فما هو الحل لمن يعجزهُ هذا الصوم لقلة وقت الإفطار، أو لمن يؤذي جسده وصحته طول الصيام؟

       الجواب: عليه أن يُمسك إذا طلع الفجر عازما على الاستمرار في الصيام، فإذا اضطر خلال اليوم إلى الإفطار خوفاً من الهلاك أو المرض من شدّة الجوع أو العطش: فإنه يفطر على هذا الأساس، ويقضي بدل هذا اليوم يوما في الأيام التي يقصر فيها النهار، والقضاء يجوز تفريقه فلا حرج به؛ قياساً على صاحب الأعمال الشاقة في نهار رمضان فإنه ينوي الصوم فإذا اضطر للافطار يفطر ويقضي، وإذا لم يخش على جسمه وصحته الضرر فليستمر.

       وأوصي إخواننا أهل العلم أن لا يتحملوا وزر من يأخذ بفتواهم التي لا تعتمد على نص أو قياس صحيح، بل هي مخالفة للنص معتمدين على مطلق الرأي أو المصلحة أو يسر الإسلام دون أصل لذلك، وأن يُطبِّقوا القواعد في محالِّها، وأن يأخذوا بالأحوط في فتاوى الفرائض من العبادات.

والله أعلم ،،،

أ.د عبدالملك عبدالرحمن السعدي
21/رمضان / 1436 هـ
8/7/2015 م

 

عدد المشاهدات [2892]
الفتوى السابقة الفتوى التالية
أي شيء منشور في المواقع الأخرى و غير منشور في الموقع لا يُعتمد عليه و لا تصح نسبته للشيخ إلا بموافقة من إدارة الموقع .
حقوق الموقع محفوظة و لا يصح النقل الا بموافقة خطية من إدارة الموقع أو الإشارة الى المصدر.
اعلى الصفحة صفحة للطباعة ارسل الى صديق