خطب و دروس

1437 0

الرئيسية » الفتاوى » دفع القيمة

بحث في الفتاوى

صفحة للطباعة
ارسل الى صديق
دفع القيمة

السؤال رقم 3277 - تاريخ النشر 2015-07-13        

بسم الله الرحمن الرحيم

دفع القيمة

       الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

       فإنَّ دفع القيمة في الفطرة والفدية والكفارة والزكاة بدلا من المادة نفسها منعها الشافعي ومالك، ومنعها أحمد في الفطرة؛ مستدلين بأنَّ ظاهر النصوص تدل على دفع المادة نفسها دون قيمتها.

       فما ورد في الفطرة والفدية والكفارات كله يدل على دفع الطعام بنفسه، وكذا الزكاة؛ حيث يقول -صلى الله عليه وسلم-: (في كل أربعين شاةً شاةٌ).

       وجَوَّز دفع القيمة: الحنفية، وإسحاق بن راهويه، والبخاري.

      وجوَّزها من التابعين: عمر بن عبدالعزيز، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وأبو إسحاق السبيعي، وسفيان الثوري.

       واستدلا على ذلك: بقول معاذ لأهل اليمن: "ائتوني بعرض ثياب خميس أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم" رواه البخاري ولم يُنكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-. والخميس: نوع من القماش، واللبيس: الثياب المستعملة.

       وبأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أقر أخذ الناقة العظيمة عن نصابين، وأقر جابي الزكاة أن يأخذ من الإبل أعلى من نصابها ويُرجع الفرق للمُزكي دراهم وبالعكس، وهذا ليس إلا قولا بالقيمة .

       ثم إنَّ دفع القيمة أوسع مجالا لحاجة الفقير ولاسيما في عصرنا هذا.

       وقد فَصَّلَ الإمام أحمد في غير الفطرة -وبه قال ابن تيمية- حيث قال: نرى المصلحة للفقير وللمتصدق فإن كانت القيمة أفضل لهما دُفعت القيمة وإن كانت المادة أفضل دُفعت المادة جمعا بين الأدلة المتعارضة سابقا، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأماكن والأموال.

       ومن أراد دفع القيمة فعليه أن يُقَوِّمَ المقدار الذي قال به أبو حنيفة وإياه أن يأخذ القدر من مذهب آخر ويدفع القيمة على مذهب الإمام أبي حنيفة –رحمه الله-؛ فإنَّه نوع من التلفيق بين الآراء.

       والقيمة تُدفع بسعر الأسواق المحلية ولا تُدفع بالسعر المُدَعَّم من الدولة لأنَّه سعر رمزي يتنافى مع إيجاد قدرة شرائية للفقير -والله أعلم-.

استدل مَن منع دفعَ القيمة بما يأتي:

       1- قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ (خذ الحب من الحب).

       ويجاب عنه: أنَّه حَذَّره من أن يأخذ إلاَّ ما هو متوافر لديهم ويسير وهو الحب ولا يأخذ ما لا يمكنهم دفعه من نقود أو غيرها.

       2- قوله صلى الله عليه وسلم: (في كل أربعين شاةً شاةٌ)، وفي قوله في صدقة الفطر: ) أدوا صاعا من قمح عن كل إنسان...الحديث) فقط عَيَّنَ المُؤدَّى هو الشاة والصاع، وفي دفع القيمة تَغَيُّرٌ لعبارة النص أو إلغاء له إلى غير المنصوص.

       ويجاب: بأنَّ دفع القيمة لا يكون تغيُّرا للنص ولا إلغاء له، بل هو عمل بالنصين -نص دفع العين والنص السابق الدال على جواز دفع القيمة-، فالمسلم مُخَيَّر بالعمل بأيهما شاء.

        ثم إنَّ الحكمة من دفع الزكاة هي سد حاجة الفقير ، وهي تندفع بالمادة وتندفع بالقيمة وقد تكون أفضلَ من العين والمادة.

       ولا سيما فطرة الصوم فإنها لسد حاجة الفقير يوم العيد، وحاجته لا تقتصر على أكل التمر أو الخبز، بل يحتاج إلى ملابس وغيرها وإلى أنواع أخرى من الأطعمة لا يحققها إلا بالقيمة والنقود.

       أما التعصب لقول أحمد -رضي الله عنه- بعدم جواز القيمة في الفطرة: فإنَّ فيها ضررا للفقير؛ حيث يضطر إلى بيع المادة بأقل من سعرها ليحضى على النقود لسد حاجته، فلو دُفِعَت له القيمة الكاملة أوَّلاً لكانت أنفع له، وفيها تتحقق حكمة الفطرة التي شرعها الله له لتكفيه كونه يوم العيد.

       ومِمَّا أستغرب له أنَّ الإمام أحمد له رواية يُجوِّز فيها دفع القيمة في زكاة الغنم والمنتوجات الزراعية أخذ بها الإمام ابن تيمية كما سبق ذكر ذلك، فلماذا لم يعمل بها في الفطرة؟! فإن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- نصَّ على الصاع من القمح فإنَّه نصَّ على الشاة من الغنم.

       مع أنَّه رأيٌ لأحمد يحتمل الخطأ والصواب، فلماذا لا نعمل الآن بالرأي الأصلح لوضع الفقراء؟!

       وأنا أرجِّح رأي الإمام أحمد والذي أخذ به ابن تيمية أننا نرى الأصلح للفقير وللمزكي من دفع المادة أو القيمة سواء في زكاة المال أم في زكاة البدن (الفطرة).

       وفي عصرنا الحاضر الأصلح دفع النقود.

       ومِمَّا يُؤسف أنَّ بعض الجمعيَّات التي ترعى العوائل الفقيرة تستلم من المُزكِّي قيمة المادة التي تُدْفَعُ لهم لإيصالها إلى الفقراء ثم تقوم بشراء مواد لم يرد بها النص -مثل الزيت والسكر والمُعلَّبات ونحوها- وتدفعها إلى الفقراء.

       فهؤلاء عملهم باطل؛ لأنَّهم لم يدفعوا المادة التي ورد بها النص، ولم يدفعوا القيمة التي هي روح ومعنى النص. فعليهم تجَنُّب ذلك ودفع النقود للفقير؛ لأنَّه أعرف بالمادة التي يحتاجها يوم العيد.

والله المُوفِّق ...

أ.د. عبدالملك عبدالرحمن السعدي
20/رمضان/1431هـ 1/9/2010م

عدد المشاهدات [1437]
الفتوى السابقة الفتوى التالية
أي شيء منشور في المواقع الأخرى و غير منشور في الموقع لا يُعتمد عليه و لا تصح نسبته للشيخ إلا بموافقة من إدارة الموقع .
حقوق الموقع محفوظة و لا يصح النقل الا بموافقة خطية من إدارة الموقع أو الإشارة الى المصدر.
اعلى الصفحة صفحة للطباعة ارسل الى صديق