خطب و دروس

13857 0

الرئيسية » الفتاوى » أحكام الفطرة والفدية والكفارات

بحث في الفتاوى

صفحة للطباعة
ارسل الى صديق
أحكام الفطرة والفدية والكفارات

السؤال رقم 888 - تاريخ النشر 2012-09-02        

السؤال:

       أوجب الإسلام دفع فدية من الطعام عن الصوم في بعض الحالات وأوجب الكفارات في بعض الحالات، وأوجب النذور وصدقة الفطر، فهل يجوز دفع قيمة الطعام عن ذلك؟

الجواب:

خلاصة أحكام الفطرة


       1. تجب على الغني بمال أو كسب، والغني بالكسب: مَن إذا دفعها لا تؤثِّر على نفقاته الشهرية.
ولا تجب على غيرهما بل هو أهل لأخذها، وهي الحكمة من مشروعيتها، ولا فرق في زكاة الفِطرة بين أن يكون المُزكِّي صائما أو مفطِرا.

       2. مقدارها صاع من شعير أو تمر أو إقط أو نصف صاع من بُر أو زبيب أو أرز.

       3. الصاع هو صاع سيدنا عمر، وهو 3500 غرام، وبه أخذ أبو حنيفة ومحمد؛ لأنَّه أنفع للفقراء.
ونصفه 1750+250 احتياطا= 2000 غرام، أي كيلوان عن كل نفس.

       4. لا تُدفع عن الحمل إلاَّ إذا ولد قبل غروب آخر يوم من رمضان.

       5. يُفضَّل في هذا العصر دفع قيمة المادة؛ لأنَّ المحتاج هو أولى بمعرفة حاجاته يوم العيد، وعلى المُزكِّي أن يدفع قيمة كيلوين من الطحين؛ وذلك بأن يسأل -يوم الدفع- في السوق عن قيمة الكيلوين من النوعية الوسط فما فوق، ولا نستطيع هنا أن نُحدِّد مقدار القيمة لأنَّه يختلف من سنة إلى أخرى.

       6. إذا دفع القيمة للجمعيات لا يحق لهم تحويلها إلى مواد ولا سيما المواد التي لم ترد في نص الحديث.

       7. يجوز دفعها من بداية رمضان، والأفضل دفعها قبيل العيد، وأنها تصبح واجبة ليلة العيد.

       8. مَن فاته دفعها قبل صلاة العيد دفعها بعد الصلاة مع الاستغفار عن التأخير.

       9. لا تصح الزكاة للفروع -الأبناء والبنات وأولادهم- ولا للأصول -الأم والأب والأجداد والجدات-؛ لأن المفروض أن يُنفق على هؤلاء من ماله إن كانوا محتاجين؛ لأن دفع الزكاة إليهم إهانة لهم؛ لأنها أوساخ المال لا تدفع إلى الأب ولا إلى الذرية.

       ولا فرق بين أن يكونوا يسكنون معك أو في بيت آخر؛ لأن الإهانة هي واحدة.

       أمَّا إذا أراد الأب أن يدفع عن أولاده، فيجب عليه أن يستأذنهم أولا، وبعد أن يأذنوا له بالدفع أو وَكَّلوه بدَفْعِها ودَفَعها عنهم تبرعاً منه صَحَّت وأجزأت عنهم وهو يُثاب على ذلك ولو كان الأولاد مستطيعين من دفعها.

 

أحكام الفطرة والفدية والكفارات مُفَصَّلةً

أولا:الفدية عن الصوم:

        إذا عجز المسلم أو المسلمة عن أداء صوم رمضان وعن قضائه بعد رمضان وجب عليه دفع فدية بدلا عن الصوم، تدفع إلى الفقراء والمساكين؛ لقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) أي على الذين زالت طاقتهم؛ لأنَّ يطيقون مضارع أطاق وهمزته هنا للإزالة.

       وقد روى الحاكم والدارقطني وصححاه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: (رَخَّصَ-أي رَخَّصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم- للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه).

       والعجز يتحقق بأمرين:

       أحدهما: الكبر والشيخوخة: أي إذا بلغ المسلم سنا يعجز فيه عن الصوم جاز له الإفطار ودفع الفدية.

       ثانيهما: المريض مرضا لا يرجى شفاؤه فإنه يفطر، فإن لم يتمكن من القضاء بعد رمضان دفع الفدية عن كل يوم.

مقدار الفدية:

       إن كانت لديه قدرة مالية يدفع عن كل يوم صاعا من تمر أو شعير، أو نصف صاع من بُر أو رز أو زبيب، وهذا عند الحنفية.

       والصاع عند أبي حنيفة ومحمد هو صاع عمر -رضي الله عنه-.

       وقدره ثمانية أرطال بالعراقي، وإليك توضيح ذلك للتوصل إلى ما يساويه بالكيلو غرام:

       الدرهم الشرعي= 3 غرام و33% من الغرام.

       الرطل الشرعي= 130 درهما×8 أرطال= 1040 درهما.

       فالصاع الشرعي= 1040 درهما والكيلو غرام= 300 درهم.

       إذن الصاع= 3 كيلوات، و140 غراما+10 غرام احتياطا= 3,500 ثلاثة كيلوات وخمسمائة غرام.

       فنقول: الصاع عند أبي حنيفة ومحمد= ثلاثة كيلوات ونصف.

       ونصف الصاع= كيلوين إلا ربعا أي 1,750 غراما.

       فحصل من هذا أنَّ الواجب دفعه عن العاجز إما ثلاث كيلوات ونصف الكيلو من الشعير أو التمر الزهدي الجيد، أو قيمة ذلك بالسعر التجاري وقت الدفع.

       أو دفع 1,750 غم عن كل يوم من الحنطة أو دقيقها أو الزبيب أو الرز أو قيمة واحد منها بالسعر التجاري وقت الدفع.

       فإن كان فقير الحال يدفع عن كل يوم مدا، والمد يساوي رطلا وثلثا ويساوي بالدرهم 175 درهما تقريبا.

       فالمد يقارب من 600 غرام عن كل يوم من بر أو طحين تُدفع المادة نفسها لا قيمتها ولا تدفع قبل الإفطار بل بعد دخول اليوم وإفطاره، ويجوز جمعها ودفعها بعد رمضان دفعة واحدة، فإن تعسَّرَ دَفْعُهَا جُملَةً، دَفَعَهَا بشكل دفعات متفرقة.

 

ثانيا: الفطرة:

       الفطرة تجب بدخول رمضان، والإفطار منه على كل مسلم ومسلمة سواء كان صائما أم مفطرا؛ لأنها مَكْرَمة الإسلام للفقراء في يوم عيد المسلمين؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم) أي يوم عيد الفطر وهي جزء لا يتجزأ من النظام الاقتصادي الإسلامي لرفع مستوى العيش للفقير في يوم من أيام السنة.

       ويدفعها المزكي عنه وعن أبنائه وبناته الصغار، وعن زوجته على خلاف فيها.

       وتدفع عمَّن وُلِدَ قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، ولو دفعها عن أبنائه وبناته الكبار البالغين وزوجاتهم وأبنائهم أجزأت عنهم إن كان بإذنهم وهو مثاب على ذلك.

       ولا يجب دفعها عن الضيوف إلاَّ تبرعا وبإذنهم، ولا تُدفع عن الحيوانات.

       ويجب دفعها قبل صلاة عيد الفطر، فإن لم يدفعها قبل الصلاة دفعها بعدها، ويجوز دفعها في رمضان وهو الأوفق ليستفيد منها الفقير في شراء لوازمه قبل يوم العيد، وكُلَّما تأخَّرت إلى قُبيل العيد فهو أفضل.

على من تجب الفطرة؟:

       ذهب جمهور الفقهاء إلى أنها تجب على من كان عنده فضل عن قوته وقوت عياله يوم عيد الفطر فيدفع الفاضل عنها.

       واستدلوا على ذلك: بما روى البيهقي والإمام أحمد عن أبي ثعلبة عن أبيه، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أدوا صاعا من قمح عن كل إنسان ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا غنيا أو فقيرا أو مملوكا. أما الغني فيزكيه الله، وأما الفقير فيرد عليه أكثر مما أعطى). وجه الاستدلال به: أنَّ قوله (غنيا أو فقيرا) يدل على وجوبها على الفقير أيضا، ولا يكلف أن يدفع قوت عياله بل يدفع الزائد عنه. ولأنها صدقة شرعت لطهرة الصيام من اللغو والرفث وهذا يستوي فيه الفقير والغني.

       وذهب الحنفية: إلى أنَّها لا تجب إلاَّ على الغني، وهو من يملك نصابا من أنصبة الزكاة أو كان غنيا في كسبه وعمله.

       أما من لا يملك ذلك -بأن كان مورده كفافا أو لا يكفيه- فإنها لا تجب عليه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إنما الصدقة عن ظهر غني)؛ ولقوله (المرء أحق بكسبه) فكلمة الصدقة بعمومها تشمل الفطرة وغيرها.

       وأحاديث دفع صدقة الفطر التي جاءت عامة في الغني والفقير يخصصها مثل هذه الأحاديث.

الفتوى في إخراج الفطرة:

       رأي الحنفية أولى بالإفتاء في مثل هذه الظروف وهو ما أرجحه لما يأتي:

       1. الحديث الذي استدل به الجمهور ضَعَّفَه الإمام أحمد؛ لأنَّ فيه نعمان بن راشد، قال المنذري في مختصر السنن: لا يُحتج بحديثه وإنَّ ابن أبي ثعلبة مجهول.

       2. لو صح فإنَّه لا يُقاوِم في الصحة ما روي من الأحاديث التي بَيَّنت من يدفع الصدقة والتي ذكرناها آنفا.

       3. لو نظرنا إلى لفظ الحديث الذي استدل به الجمهور لرأينا أنَّ لفظ (غنيا أو فقيرا) يراد به المدفوع عنه لا الدافع، فإنَّ الدافع قد توجهت إليه لفظة (أدوا) فيصير معنى الحديث (أدوا أيها الأغنياء صدقة الفطر عن الصغير والكبير والغني والفقير من عيالكم المُلزَمين بالإنفاق عليهم)، أي ادفعها عن ولدك الغني والفقير على حد سواء، ولا يراد به المؤدِّي لما ذكرنا.

       أما قولهم بأنها تدفع طهرة للصيام وهذا يستوي فيه الفقير والغني، فنقول: هذا منقوض بأنها كما تدفع عن الصائم تدفع عن المفطر، وكما تدفع عمن يجب عليه الصوم تدفع عمن لا يجب عليه كالصغير والمجنون على حد سواء، لكنها إن دفعت عن الصائم استفاد منها حكمة أخرى وهي تطهير صومه مما ذكر أو يراد طهرة صوم الغني، أما الفقير فيكفيه تحمل الفقر وصبره عليه طهرة.

       4. إن القول بدفعها من الفقراء يتنافى مع مشروعية الصدقة؛ إذ هي شُرِّعت لتحقق التكافل الاجتماعي وليساعد الغني الفقير، فدفعها من قبل الفقير يتنافى مع حكمة التشريع.

       أما القول بأنَّ الفقيرين يدفع كل منهما صدقته للآخر، فإنها حيلة لا موجب لها لأنها تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي عودة مثل ما أنفق إليه وبالتالي فكأنه لم يؤدها.

نوع ما يُؤدَّى:

       فَضَّلَ بعض الفقهاء دفع التمر -كالإمام أحمد ومالك-، وبعضهم فَضَّلَ غالب قوت البلد –كالشافعية-، وبعضهم أعطى الخيار في الدفع للمزكي –كالحنفية-.

مقدار ما يُؤدَّى:

       ذهب بعض الفقهاء إلى أنَّ الواجب دفعه هو صاع بصاع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو خمسة أرطال وثلث الرطل -130 درهم×5 =650 درهما+الثلث 144 درهما =794 درهما مضروب الدرهم في 3 غرام و33% من الغرام، فيساوي 2,550 غرام-، واستدلوا على هذا: بما روى أبو سعيد الخدري قال: "كنا نُخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو صاعا من إقط".

       وذهب الحنفية إلى أنَّه يجب صاع من تمر أو شعير، أو نصف صاع من بر أو رز أو زبيب أو قيمة ذلك عن كل نفر.

       استدلوا بما روي عن سعيد بن المسيب أنَّه كان يقول: "كانت الصدقة تدفع على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر نصف صاع بر أو صاع من تمر أو شعير".

       ومقدار الصاع عند أبي حنيفة ومحمد هو صاع سيدنا عمر -رضي الله عنه- الذي ذكرناه سابقا في الفدية، وهو مذهب جماعة من الصحابة منهم الخليفتان الراشدان عثمان وعلي -رضي الله عنهما-.

       والذي نراه الأخذ بهذا اليوم لاشتماله على التخيير بين الصاع ونصفه.

 

ثالثا: الكفارات...

       والمعنِيُّ بها كفارة اليمين، وكفارة الظهار -وهو من يقول لزوجته أنت علي كظهر أمي ونحوها فانه يحرم عليه قربانها حتى يُكَفِّر-، أو كفارة من يُجامع في نهار رمضان عامدا وكذا من يأكل ويشرب عامدا عند أبي حنيفة.

       1-كفارة اليمين: لو حلف على فعل أمر ولم يفعله أو حلف على ترك فعل ففعله أَثِمَ، وكفارة إثمه أن يختار فعل أحد الأشياء الآتية: عتق رقبة مؤمنة، أو إكساء عشرة مساكين، أو إطعامهم، فالعتق مُتَعذَّر اليوم، والإكساء: أن يكسي كل مسكين ثوبا، وهذا الأولى فعله بالنسبة للأغنياء، فإن عجز عن هذه الثلاثة صام ثلاثة أيام، ويجوز تفريقها.

       وأما الإطعام: فإنَّه يُطْعِمُ عشرة مساكين كل مسكين مُدَّاً عند جمهور الفقهاء، وقد تقدم مقداره في الفدية، ويدفع إلى العائلة بقدر عدد أنفارها فقط.

       وعند الحنفية والثوري يُطعم كل مسكين صاعا من شعير أو تمر، أو نصف صاع من بر أو رز أو زبيب أو قيمة ذلك كما عرفت في الفدية، والإفتاء بهذا أنفع للفقراء.

       2-كفارة الظهار والإفطار عامدا: هي على الترتيب الأتي: عتق رقبة-وهو مُتَعَذَّر اليوم-، ثم صيام شهرين متتابعين، فإن عجز -لمرض أو شيخوخة- أطعم ستين مسكينا، وقَدَرُ ما يدفع للمسكين هو ما ذكرنا من اختلاف في كفارة اليمين سابقا.

دفع القيمة:

       دفع القيمة في كل ما تقدم وفي الزكاة بدلا من المادة نفسها منعها الشافعي ومالك، والفطرة عند أحمد؛ مستدلين بأنَّ ظاهر النصوص تدل على دفع المادة نفسها دون قيمتها.

       فما ورد في الفطرة والفدية والكفارات كله يدل على دفع الطعام بنفسه، وكذا الزكاة؛ حيث يقول -صلى الله عليه وسلم-: (في كل أربعين شاةً شاةٌ).

       وجَوَّز دفع القيمة أبو حنيفة والإمام البخاري.

       واستدلا على ذلك: بقول معاذ لأهل اليمن: "ائتوني بعرض ثياب خميس أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم" رواه البخاري ولم يُنكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-. والخميس: نوع من القماش، واللبيس: الثياب المستعملة.

       وبأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أقر أخذ الناقة العظيمة عن نصابين، وأقر جابي الزكاة أن يأخذ من الإبل أعلى من نصابها ويُرجع الفرق للمُزكي دراهم وبالعكس، وهذا ليس إلا قولا بالقيمة .

       ثم إنَّ دفع القيمة أوسع مجالا لحاجة الفقير ولاسيما في عصرنا هذا.

       وقد فَصَّلَ الإمام أحمد في غير الفطرة -وبه قال ابن تيمية- حيث قال: نرى المصلحة للفقير وللمتصدق فإن كانت القيمة أفضل لهما دُفعت القيمة وإن كانت المادة أفضل دُفعت المادة جمعا بين الأدلة المتعارضة سابقا، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأماكن والأموال.

       ومن أراد دفع القيمة فعليه أن يُقَوِّمَ المقدار الذي قال به أبو حنيفة وإياه أن يأخذ القدر من مذهب آخر ويدفع القيمة على مذهب الإمام أبي حنيفة –رحمه الله-؛ فإنَّه نوع من التلفيق بين الآراء.

       والقيمة تُدفع بسعر الأسواق المحلية ولا تُدفع بالسعر المُدَعَّم من الدولة لأنَّه سعر رمزي يتنافى مع إيجاد قدرة شرائية للفقير -والله أعلم-.

       استدل مَن منع دفعَ القيمة بما يأتي:

       1- قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ (خذ الحب من الحب).

       ويجاب عنه: أنَّه حَذَّره من أن يأخذ إلاَّ ما هو متوافر لديهم ويسير وهو الحب ولا يأخذ ما لا يمكنهم دفعه من نقود أو غيرها.

       2- قوله صلى الله عليه وسلم: (في كل أربعين شاةً شاةٌ)، وفي قوله في صدقة الفطر: ) أدوا صاعا من قمح عن كل إنسان...الحديث) فقط عَيَّنَ المُؤدَّى هو الشاة والصاع، وفي دفع القيمة تَغَيُّرٌ لعبارة النص أو إلغاء له إلى غير المنصوص.

       ويجاب: بأنَّ دفع القيمة لا يكون تغيُّرا للنص ولا إلغاء له، بل هو عمل بالنصين -نص دفع العين والنص السابق الدال على جواز دفع القيمة-، فالمسلم مُخَيَّر بالعمل بأيهما شاء.

       ثم إنَّ الحكمة من دفع الزكاة هي سد حاجة الفقير ، وهي تندفع بالمادة وتندفع بالقيمة وقد تكون أفضلَ من العين والمادة.

       ولا سيما فطرة الصوم فإنها لسد حاجة الفقير يوم العيد، وحاجته لا تقتصر على أكل التمر أو الخبز، بل يحتاج إلى ملابس وغيرها وإلى أنواع أخرى من الأطعمة لا يحققها إلا بالقيمة والنقود.

       أما التعصب لقول أحمد -رضي الله عنه- بعدم جواز القيمة في الفطرة: فإنَّ فيها ضررا للفقير؛ حيث يضطر إلى بيع المادة بأقل من سعرها ليحضى على النقود لسد حاجته، فلو دُفِعَت له القيمة الكاملة أوَّلاً لكانت أنفع له، وفيها تتحقق حكمة الفطرة التي شرعها الله له لتكفيه كونه يوم العيد.

       ومِمَّا أستغرب له أنَّ الإمام أحمد له رواية يُجوِّز فيها دفع القيمة في زكاة الغنم والمنتوجات الزراعية أخذ بها الإمام ابن تيمية كما سبق ذكر ذلك، فلماذا لم يعمل بها في الفطرة؟! فإن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- نصَّ على الصاع من القمح فإنَّه نصَّ على الشاة من الغنم.

       مع أنَّه رأيٌ لأحمد يحتمل الخطأ والصواب، فلماذا لا نعمل الآن بالرأي الأصلح لوضع الفقراء؟!

       وأنا أرجِّح رأي الإمام أحمد والذي أخذ به ابن تيمية أننا نرى الأصلح للفقير وللمزكي من دفع المادة أو القيمة سواء في زكاة المال أم في زكاة البدن (الفطرة).

       وفي عصرنا الحاضر الأصلح دفع النقود.

       ومِمَّا يُؤسف أنَّ بعض الجمعيَّات التي ترعى العوائل الفقيرة تستلم من المُزكِّي قيمة المادة التي تُدْفَعُ لهم لإيصالها إلى الفقراء ثم تقوم بشراء مواد لم يرد بها النص -مثل الزيت والسكر والمُعلَّبات ونحوها- وتدفعها إلى الفقراء.

       فهؤلاء عملهم باطل؛ لأنَّهم لم يدفعوا المادة التي ورد بها النص، ولم يدفعوا القيمة التي هي روح ومعنى النص. فعليهم تجَنُّب ذلك ودفع النقود للفقير؛ لأنَّه أعرف بالمادة التي يحتاجها يوم العيد.

والله المُوفِّق ...

20/رمضان/1431هـ 1/9/2010م

عدد المشاهدات [13857]
الفتوى السابقة الفتوى التالية
أي شيء منشور في المواقع الأخرى و غير منشور في الموقع لا يُعتمد عليه و لا تصح نسبته للشيخ إلا بموافقة من إدارة الموقع .
حقوق الموقع محفوظة و لا يصح النقل الا بموافقة خطية من إدارة الموقع أو الإشارة الى المصدر.
اعلى الصفحة صفحة للطباعة ارسل الى صديق