قل: يوم التفجير والتهجير، ولا تقل: يوم التعمير والتحرير

      في اليوم التاسع من شهر نيسان، من عام ألفين وثلاثة لميلاد عيسى بن مريم ابنة عمران، أشرقت الشمس على الحبيبة بغداد، وكأنها تَوَشَّحت لباس السواد، ونورها لا يَشِعُّ بهجة كما عهده العراقيون، وإذا بالأيام الحبلى تُظْهِرُ المكنون، لقد دخل في بغداد رجس الاحتلال في ذلك اليوم المشؤم، بقيادةٍ أمريكيةٍ بريطانيةٍ حاقدة ظلوم، وخيانةٍ ممن ادعى انتسابه إلى العراق كَذِبَاً وزورا، وتربَّى في أحضان الغرب فُسقاً وفُجورا، لقد حلَّ الظلام في بغداد والعراق، وهطلت دموع الحزن بدم مِهراق، وصحا العراقيون الشرفاء، على صوت دبابات الغادرين الأعداء، الذين دَمَّروا البلاد، وعاثوا في الأرض الفساد، وأزهقوا أرواح العباد، ولم يبق صبي ولا شاب ولا شيخ ولا امرأة إلاَّ وناله ضيم هؤلاء الأوغاد، سرقوا الأموال والممتلكات، وهتكوا الأعراض والحرمات، وأشاعوا الرعب بالمتفجرات، وأزالوا كل حسنة بكثرة السيئات، فامتلأ باطن الأرض بالأموات، وعاش الناس فوق الأرض بالحسرات، ينادون بصوت خافت ومجهور، أين الأمان الذي كان في الدار المعمور، نمشي الليل والنهار، في البراري والأنهار، فلا نجد مكروها يَحُفُّنا، ولا نرى سوءاً يُداهمنا، ولا ناراً تحرقنا ولا كاتم صوت أو لاصقٍ يفجرنا، يسير الراكب في شرق البلاد وغربها، وشمالها وجنوبها، فيجد ترحيباً أخوياً حميما، ولا يشعر بغربة تسومه عذابا أليما.

       ثمان سنوات بلغت بها قلوبُ العراقين الحناجر، وتَسَلَّط عليهم كلُّ عاهر وفاجر، تمرُّ عليهم الأعياد فلا يذوقون طعمها، وتمضي الليالي والأيام وهم يتجرعون سمومها، هجروا المضاجع والديار، وغادروا الوطن وفارقوا الأهل والأحبة الأخيار، فصنعوا لهم من دار الهجرة وطنا، لكنَّ قلوبهم تَحِنُّ إلى تراب العراق مثوى وسَكَنَا، ولسانهم يقول واشوقاه إلى بلاد الرافدين، واعشقاه إلى مثوى سيد الشهداء الحسين، واحنيناه إلى البصرة والكوفة والأنبار، وإلى أربيل وكركوك والموصل وعشتار، أين أنت يا حاضرة الدولة العباسية وبيت الحكمة والمستنصرية وبابل الفيحاء، أين صرت يا مثوى الإمام عليٍّ وكربلاء، لقد هتك الظالمون فيك الأستار، وعلى كل حضارة تجاوز الأشرار، لقد زرعوا الفرقة والخلاف الديني والمذهبي بين الناس، طاعة لأسيادهم من كفار الغرب والفرس الأدناس.

       أَمَا آن للعراقيين بعد هذه السنوات العجاف، التي أحرقت الأخضر واليابس من دون إنصاف، أن يَتَّحِدوا أمام الظالمين؟! ويقفوا وقفة رجل واحد ليدفعوا عن أموالهم وأنفسهم وديارهم وأعراضهم ضرر المفسدين؟! ويقطعوا ألسنة الكذابين؟! ويقطعوا أيدي السارقين؟! وينالوا قصاصهم العادل ممن جلب إليهم ويل المحتل بالعذاب المبين؟!

       فيا سُنَّةَ العراق وشيعته، ويا مسلمي العراق ومسيحيته، ويا عرب العراق وأكراده وتركمانه وأقليته، تماسكوا بأخويه، وأعلنوها صرخة مَدْويَِِّه، بأن لا مكان لهؤلاء المجرمين الأراذل، فاطردوهم وهاجموا الأواخر منهم والأوائل، واعلنوا العصيان عليهم ليكتب لكم شرف الوطنية، وتنالوا ما تصبوا إليه نفوسكم الأبية، وأَسِّسُوا لأجيالكم القادمة سبل السلام، لتكتحل عيونكم بالنصر والأخوة والوئام، وناجوا ربكم وأنتم له قيام، اللهم طَهِّر بلادنا من المحتل وأذنابه اللئام، وأعد للعراق أمنه واستقراره، وولِّه أموره خياره، ولا تُولِّه شراره، وانصرالمجاهدين البرره، واخذل أعداء العراق من هذه الزمرة الفجره.

       يا من أعدت يوسف إلى يعقوب المحزون، وأنجيت يونس في بطن الحوت المكنون، وأنقذت إبراهيم من لهب النيران، وحفظت موسى من البحر وفرعون وهامان، ونصرت محمداً وآله وصحبه في كل زمان ومكان: أعد إلينا العراق بلداً معافى من الخراب والطغيان، وأعدنا إليه من غربتنا فلنا فيه أهل وأحباب وإخوان، وأنقذ العراقيين من شر هؤلاء الأشرار، ومَكِّنهم من دحر هؤلاء الفُجَّار، اللهم يالله يا عزيز يا منتقم يا جبار انتصر للشهداء والضعفاء، والشيوخ والولدان والنساء، وسلِّم من عاش من العراقيين حياته، وارحم من قضى منهم نحبه، وقُرَّ أعينهم بيوم يكون فيه التعمير والتحرير ويزول عنه التفجير والتهجير ويخرج منه الفاجرون السارقون، والظالمون المنافقون، ويعود الوطنيون المخلصون، ويفرح بنصر الله المؤمنون.

صفحة للطباعة