خطب و دروس

2883 0

الرئيسية » المواضيع » الغضب المحمود والسكوت المذموم

صفحة للطباعة
ارسل الى صديق
الغضب المحمود والسكوت المذموم

2011-03-23 - بقلم أ.د. عبدالرزاق السعدي         الغضب المحمود والسكوت المذموم

(الحلقة الأولى)

       ربما يُتَبَادر إلى الذهن أن الغضب شيء مستنكر في جميع أحواله لأنه خروج الإنسان عن مألوفه وهدوئه، وكذلك قد يفهم كثير أن السكوت أمر مُستحسن في كل ميادينه لأنه يعني هدؤ الإنسان وانعزاله وسكونه.

       وحقيقة الأمر غير هذا، فإن كلاً من الغضب والسكوت يكون محموداً ومذموماً، وهذا ماتقرره الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، وكون ذلك محموداً أومذموماً يعود إلى الأسباب والأهداف، فإن كانت أسباب الغضب والسكوت وأهدافها مشروعة فهما محمودان، وإن كانت غير مشروعة فهما مذمومان، والحديث في هذا طويل، وحسبنا أن نؤصل لكل من المحمود والمذموم بشكل موجز لعله يكون درساً لمن أراد الحق ورفض الباطل:

أولا- الغضب المحمود:

       جاءت نصوص شرعية كثيرة تُبَرهِن على أن الغضب صفة حميدة وقمة في خلق الرجولة والتمسك بالمبادئ إذا كانت أسبابه مشروعة وأهدافه شريفة، ففي القرآن الكريم قصة موسى مع قومه الذين اتخذوا عجلاً يعبدونه من دون الله أيام غيابه عنهم واستخلافه لأخيه هارون، فلما رجع إليهم ورأى منهم هذا الصنيع غضب غضبا شديداً؛ منتصراً للمبادئ المشروعة التي دعا إليها، بل إن غضبه حمله على إزالة المنكر بيده فحطم العجل وعاقب هارون بجرِّ رأسه الذي هو أشرف أعضاء الجسم لأنه لم يبذل جهداً في الغضب عليهم والإنكار على فعلهم، فقال تعالى : ((وَلَمّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَىَ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ)) الأعراف: 150 . والأسف شدة الغضب.

       وقد أمر الله تعالى نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- بالغلطة والغضب على الكفار والمنافقين الذين يقولون ما لا يفعلون، فقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)) التحريم: 9، فالغِلْظَة على هؤلاء نوع من الغضب عليهم وهو غضب محمود لمشروعية أسبابه وشرف أهدافه، يقول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- : {من استُغضِبَ فلم يغضب فهو حمار}، وهذا كلام في غاية الدقة لأنه يوافق ما جاء في القرآن كما أسلفنا وما جاء في الحديث الشريف، ويوافق فطرة الإنسان السلمية؛ لأن الإنسان عاقل يُدرك الخير فيرضى به ويُدرك الشر فيأباه ويغضب عليه وإلا فقد خالف الإنسانية إن سكت عن الشر والتحق بطبيعة الحيوانات البليدية التي لا تغضب .

       وكم هنالك من المواقف غضب فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو صاحب الخلق العظيم، فغضبه -عليه الصلاة والسلام- كان انتصاراً للمبادئ وإرساءً لقواعد الحق والعدل والإنصاف في المجتمع، فقد غضب -عليه الصلاة والسلام- على حِبِّه وابن حِبِّه [أسامة بن زيد] الذي تَشَفَّع في المخزومية التي سرقت المال بأن لا يُقيم عليها حدّ السرقة وقال لأسامة: {أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟}، وغضب النبي -صلى الله عليه وسلم- غضباً شديداً على جماعة من اليهود الذين ناقشوه في الله وأفعاله وصفاته مناقشة تَخرج عن حدود اللياقة الإنسانية، كقولهم: مَن خلق الله؟ وكيف تصف لنا الله؟ وكيف عَضُدُه؟ كيف ذراعه؟ الى آخر ذلك، وغضب أشد الغضب على قتل رجل نطق بالشهادتين ظناً من القاتل أنه قالها خوفاً من القتل، وقال غاضباً للقاتل: {أفلا شققت عن قلبه؟!}، والأمثلة على ذلك كثيرة.

       فعلى كل رجل وامرأة وكل شيخ وشاب أن يغضب انتصاراً للحق وإزاهاقاً للباطل، فإنه بذلك يحقق غضباً محموداً جهادياً يصون المبادئ ويحقق الخير والسعادة لبني الإنسان جميعاً وللحياة العامة والخاصة، فإن الغضب المحمود صفة من صفات الله تعالى، قال تعالى: ((وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)) النساء :93.

 

(الحلقة الثاني)

ثانيا: الغضب المذموم:

        قد ينساق الإنسان وراء عواطفه فرحاً أوحزناً دون أن يُحَكِّم العقل والقلب في ذلك، فتراه يفرح لأَتْفَهِ الأسباب ويغضب على أبسط الأمور التي لاتثلم من المبادئ شيئا ولا تؤدي الى ضرر في العِرْض والمال والدين وحفظ النفس والعقل. وحَرِيٌّ بالمرء أن يعالج الأمر الذي لا يرضاه بالحكمة وكظم الغيط والعفو عن الناس والإحسان إليهم. فغضبك  على والديك غضب مذموم، وغضبك على طفل عَبَثَ في لوازمك مذموم، وغضبك في النقاش العلمي الهادف مذموم، وغضبك على أخيك وصديقك من تصرف قد لا ترضاه مذموم، وتسرعك في طلاق زوجتك غضب مذموم. 

        فقد جاء رجل كثير الغضب الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله أوصني: قال: {لاتغضب} فرد مراراً طلب الوصية وهو عليه الصلاة والسلام يقول له: {لاتغضب} أي: اجتنب أسباب الغضب.

        وفي الحديث النبوي الشريف: { ليس الشديد بالصُّرَعَةِ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب} والصُّرَعَة –بضم الصاد وفتح الراء– الذي يصرع الناس كثيراً بقوته.

        وقد وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- علاجات لمثل هذا الغضب المذموم فقال: {إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع} وقد أثبت الطب الحديث أن هذا العلاج طبي؛ لأن الجلوس والاضطجاع يساعد على انخفاض الهرمونات التي تضطرب بسبب الغضب، ومن علاج الغضب: الوضوء، وذكر الله تعالى، وأداء الصلاة، والدعاء.

قال الشافعي -رحمه الله تعالى- :

يخاطبني السفيهُ بكلِّ قُبْحٍ       فأكره أن أكون له مُجيبا
يزيدُ سفاهةً فأزيد حلماً         كعودٍ زادَه الإحراقُ طِيبا

 

(الحلقة الثالثة)

 ثالثاً: السكوت المذموم: 

       كل الشرائع السماوية والأديان الإلهية والقوانين الوضعية جاءت لتقرر السعادة في الحياة باتباع كل ما هو خير ومعروف واجتناب كل ما هو شر ومنكر، ولتحقيق ذلك لابد من طرف يذّكر بفعل الخيرات وينهى عن المنكرات؛ لأن السكوت على الظلم والفساد جريمة شرعية وقانونية؛ لأن مثل هذا السكوت سيدع الشرّ ينتشر ويتمادى أهل المنكر في منكرهم فيفسدوا الحياة بعد صلاحها فينهبوا الأموال ويزهقوا الأرواح ويعتدوا على الأعراض ويُسرفوا في الأذى الجسمي والنفسي.

       والقرآن الكريم حدثنا كثيراً عن أضرار السكوت المذموم، ومن ذلك: ما جرى لنبي الله صالح -عليه السلام- وقومه ثمود الذين كانت تتحكم فيهم طغمة فاسدة تدير بهواها دفة أمورهم فخططت تلك الفئة الباغية لقتل الناقة ثم لقتل صالح -عليه السلام- ونفذت نصف الجريمة بقتل الناقة ولم يتحرك المجتمع لا قبل الجريمة ولا بعدها بل كان مُجتَمعاً سلبياً لم يُنكرعلى الفئة التي تقوم على تدبير دفة أموره فئة قليلة مُتَنَفِّذة فاسدة وتظل الأكثرية ساكتة صامة متواطئة.

       إن السلبية والسكوت لا يكون عذراً للمجتمع ولا للشعوب، فلابد من دور فاعل في تنحية الظالمين وعدم تمكينهم من زمام الأمور، واذا تخلى المجتمع عن دوره فإن النقمة ستحل بالجميع وأن العذاب سيكون شاملاً، وهذا ما حدث لثمود وقوم صالح -عليه السلام- بسبب السكوت المذموم.

       فإنكار المنكر والجهر بردع الظالمين صمام الأمان للفرد والمجتمع، وفي الحديث الشريف: {إذا رأت أمتي تهاب أن تقول للظالم ياظالم فقد تودّع منهم} أي: قطع الله نصرته ومدده عنهم وتخلى عنهم، ويزيد السكوتُ ذَمَّاً وقُبحاً إذا كان من ذوي القيادة السياسية والاجتماعية والدينية فإن سكوتهم على الظلم والجور والفساد يُشَكِّل جريمة عُظمى؛ لأن ما وصلوا إليه من مواقع قيادية يُحَمِّلهم مسؤولية توجيه أتباعهم نحو الصحيح والحق، فسكوتهم يعني تظليلاً لأتباعهم، وفي الحديث {أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر} فيرى الفساد والاحتلال والظلم والتعسف ولا ينبس ببنت شفة، فلم يُنكر ذلك ولم يفتي الناسَ بمقاومته وصدِّه فإنه سينال إثم الجميع بسكوته هذا، وكذا يحاسبه التاريخ وهو في الآخرة من الخاسرين أمام رب العالمين .

رابعاً- السكوت الممدوح:

       في حياة كل إنسان مواقفٌ تدعوه إلى السكوت والصمت؛ لأن سكوته هذا سوف يُحقِّق مصلحة إنسانية وسعادة اجتماعية، فإن هو نطق فإنه سيُحقِّق فساداً وخراباً ودماراً، فاللسان مصدر الخير كما هو الشرّ، وكلمة خير تصلح أمة وكلمة شر تفسد مجتمعاً، لذا جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت}، ومن وصايا النبي -صلى الله عليه وسلم- لسيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- : {يا علي حَرَّمَ الله الجنة على كل فاحش بذيئ لا يبالي ما قال ولا ما قيل له}، وقال الإمام جعفر الصادق -عليه السلام- : {ثلاثة لا يصيبون إلا خيراً أولو الصمت وتاركوا الشر والمكثرون من ذكر الله}.

       فالصمت ممدوح إذا كان صمتاً يُبْتَعَد فيه عن الفحشاء والكذب والغيبة والنميمة والكفر والسبّ والشتم والطعن واللعن وزرع الأحقاد بين الناس؛ لأن الله تعالى يقول: ((وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) إنها قاعدة أساس رصينة في غاية الدقة والإتقان، فإما أن تقول الأحسن والأفضل من نصيحة وتوجيه وعلم وحكمة وإما أن تصمت فالصمت عن الرذائل ممدوح.

       وهذا ما أمر الله به نبيه زكريا والصديقة مريم -عليهما السلام- حين أصبحا في موقف لا يُنفع فيه الكلام، فقال تعالى على لسان مريم بنت عمران: ((إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)) وقال زكريا: ((قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً)).

       فتكَلَّم بالحق حيث وجب عليك واسكت حيث كان السكوت أفضل. 

عدد المشاهدات [2883]
أي شيء منشور في المواقع الأخرى و غير منشور في الموقع لا يُعتمد عليه و لا تصح نسبته للشيخ إلا بموافقة من إدارة الموقع .
حقوق الموقع محفوظة و لا يصح النقل الا بموافقة خطية من إدارة الموقع أو الإشارة الى المصدر.
اعلى الصفحة صفحة للطباعة ارسل الى صديق