خطب و دروس

1734 0

الرئيسية » المواضيع » وداعاً.. أستاذنا عبد العليم

صفحة للطباعة
ارسل الى صديق
وداعاً.. أستاذنا عبد العليم

2010-07-28 - بقلم الدكتور حسين الدليمي        

(1)

       من غير السهل تصوّر عِظم الفاجعة التي تحلّ بأي أمة يموت علماؤها ومفكروها والمصلحون فيها؛ لأنَّ المصلح والعالم سبب سيادة شرع الله وتحكيمه، وفيهما ضمان السعادة والريادة والسيادة والرقي والأمن. ومن هنا جاءت النصوص التي تؤكد على أنَّ موت العالم يعني موت أمة. قال سلمان الفارسي (رضي الله عنه): ((لا يزال الناسُ بخير ما بقي الأول حتى يتعلَّم الآخِر، فإذا هلك الأوَّلُ قبل أن يتعلَّم الآخِر هلك الناس)). ولَمَّا مات زيد بن ثابت قال ابن عباس (رضي الله عنهما): ((هكذا ذهابُ العلم، لقد دُفن اليوم علمٌ كثير)). وقال الحسن (رضي الله عنه): ((موتُ العالِم ثُلمة في الإسلام لا يسدُّها شيء ما طرد الليل والنهار)). وكان أيوب السّختياني عندما يسمع بموت عالم يقول: ((إنَّه ليَبلُغنِي موتُ الرَّجل من أهل السُّنَّة، فكأنَّما سقط عضوٌ من أعضائي)). وقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (ص:74): ((...لَمَّا كان صلاحُ الوجود بالعلماء، ولولاهم كان الناسُ كالبهائم، بل أسوأ حالاً، كان موتُ العالِم مصيبة لا يجبرها إلاَّ خلف غيرِه له، وأيضاً فإنَّ العلماءَ هم الذين يسوسون العبادَ والبلاد والممالك، فموتُهم فسادٌ لنظام العالَم، ولهذا لا يزال اللهُ يغرسُ في هذا الدِّين منهم خالفاً عن سالف يحفظُ بهم دينَه وكتابَه وعبادَه، وتأمَّل إذا كان في الوجود رجلٌ قد فاق العالَم في الغنى والكرم، وحاجتهم إلى ما عنده شديدة، وهو محسنٌ إليهم بكلِّ ممكن ثم مات، وانقطعت عنهم تلك المادة، فموتُ العالِم أعظمُ مصيبة من موت مثل هذا بكثير، ومثل هذا يموت بموته أممٌ وخلائق)).

(2)

       في هذه النصوص المتقدمة إشارات ودلائل واضحة، تكمن وراءها أهمية العلماء، وضرورتهم لديمومة الحياة وسعادتها. مع ملاحظة أنَّ هذه الأقوال قالها أصحابها في وقت كانت تتوافر فيه جموعاً غفيرة من العلماء، الرجال والنساء، فما بال حالنا اليوم، في ظل ما يمر به العراق من ظرف استثنائي، صار فيه الحليم حيران من شدة الهول، وشاع فيه الجهل، والظلم، والقتل، والفاحشة، وسوء الخلق.

       إنني لم أتذكر من شدة الهول والمصاب الذي أصاب أهل العراق عموماً وأهل الأنبار خصوصاً عندما سمعت نبأ اغتيال أستاذي الفاضل الدكتور (عبد العليم السعدي) إلا ما قاله الإمام أحمد بن حنبل (رضي الله عنه) لأعدائه وأعداء دعوته ومنهجه: ((بيننا وبينكم الجنائز))!!

       وتذكرت ذلك أيضاً في وقت لم أر فيه -في حياتي- جنازة مهابة، خرج الناس خلفها بعشرات الألوف إلا ثلاث مرات، كانت المرة الأولى عندما توفي الولي الصالح (الحاج كسار) الذي يعرف أهل الرمادي تقواه وشدة ورعه، والمرة الثانية عندما توفي الشيخ المبجّل (يحيى الناصر) عندما خرجت الرمادي كلها تسير خلف جنازته. والثالثة عندما شيعنا فضيلة أستاذنا الدكتور (عبد العليم السعدي) صباح يوم السبت، الموافق للثالث من تموز عام 2010م، بعدما نال الشهادة مغدوراً على يد ثلة من المجرمين.

       ولا يمكن تفسير ذلك إلا بمحبة الناس لهم وثقتهم بهم؛ فإنَّ الدَّعوةَ بقياداتِها، والأُمة برجالاتِها، فإذا كان هؤلاء الرجالُ والقادةُ صادِقين عامِلِين؛ جعلَ اللهُ لهم القبولَ؛ فوثق الناسُ فيهم، وتعاونوا معهم، كما قال الله عز وجل: ((إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمنُ وُدّاً)).

(3)

       تربطني بالشيخ الدكتور عبد العليم السعدي علاقة الطالب بأستاذه منذ أن التحقت بمدرسة عبد الله بن المبارك الدينية طالباً، وكنت قد التقيته للمرة الأولى في اليوم الأول الذي ذهبت فيه لأداء الاختبار (العلمي والسلوكي) الذي لم يكن يسمح لأي طالب التسجيل في مثل تلك المدرسة إلا بعد اجتيازه، ولا زلت أذكر جيداً أنَّ في اللجنة أهم شخصيتين علميتين في العراق عموماً والانبار خصوصاً، هما: شيخنا العلامة الدكتور عبد الملك السعدي، والشيخ الدكتور عبد العليم السعدي. وسُعدت يومها عندما أعلنت نتائج الاختبار، فشاء الله أن أكون الأول بين زملائي وإخوتي الطلبة يومذاك.

       ويسّر الله تعالى في أن أواصل مسيرتي العلمية في مدرسة (عبد الله بن المبارك الدينية) التي كان يديرها آنذاك شيخنا العلامة الدكتور عبد الملك السعدي، وقد تتلمذت في تلك الفترة المباركة على الشيخ الدكتور عبد العليم السعدي (رحمه الله تعالى) وتلقيت عليه جمع من علوم الآلة والعلوم الشرعية لا سيما (علم النحو) و(الصرف) و(الفقه الحنفي) متمثلاً بمتن القدوري، الذي يعدُّ من أشهر متون الفقه الحنفي. وغيرها من العلوم الأخرى.

       ولما انقضت السنوات الست التي قضيتها في مدرسة عبد الله بن المبارك في الرمادي، وتخرجت منها متفوقاً بمرتبة الثاني على مدارس العراق الإسلامية جميعها، بقيت على تواصل مع الشيخ أزوره في مناسبات مختلفة، ولا أفتأ أن ألقي التحية عليه، لا سيما في عيدي الفطر والأضحى عندما كان مشايخ آل السعدي يجتمعون في جامع الرمادي الكبير يوم أن كان شيخنا الدكتور عبد الملك السعدي متواجداً في العراق، قبل أن يهاجر إلى العاصمة الأردنية (عمّان).

       لم يكن الشيخ عبد العليم السعدي ليتوانى عن فعل المعروف، بل كان سباقاً لفعل الخيرات وقضاء حوائج طلبة العلم بما يملكه من وجاهة، ومما أذكره أنني عندما نويت التقدم لأداء إمتحان الإمامة والخطابة في المجلس العلمي بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية التي كانت تعنى بشؤون المساجد والمؤسسات الدينية في فترة ما قبل الاحتلال. أذكر أنني كلمت الشيخ عبد العليم في موضوع الامتحان فكتب لي رسالة حتى أوصلها للشيخ عبد الله الكبيسي الذي كان عضواً في اللجنة آنذاك، يُعلمه فيها بأنني من طلابه، وأثنى عليَّ بما أستحيي من ذكره.

(4)

       إنَّ مما يُسجل للشيخ الدكتور عبد العليم السعدي أنه كان رجلاً عالماً، متواضعاً، سهلاً، تملؤه البساطة وعدم التكلف، يحب العراقيين جميعاً دون تمييز، ومعروف عنه اتباعه للشريعة ونبذه للغلو بكل أشكاله. وقد كان (رحمه الله تعالى) من الثابتين، الذين لم يغادروا العراق، لا قبل الاحتلال ولا بعده. فيوم أن سعى جمع من العلماء (لسبب أو لغير سبب) إلى ترك العراق في فترة الحصار الذي فُرض على العراق بقي هو ثابتاً مرابطاً، مع أنه باستطاعته السفر والتلذذ بطيب العيش في دول الخليج أو غيرها. ويوم أن وطأت أقدام الغزاة ثرى بلاد الرافدين وساء الوضع الأمني بصورة لم يشهد لها بلدنا مثيلاً صمد الشيخ (رحمه الله تعالى) ولم يغادر، على رغم ما أصابه من فتن وتهديد.

       إنَّ الشيخ (عبد العليم السعدي) كغيره من العراقيين الأصلاء نال قسطاً كبيراً من ظلم الاحتلال وأذاه، فقد دوهم بيته مراراً، واعتقل مع نجله الأصغر على أيدي جنود الاحتلال، الذين لا يعرفون للعالم حقه.

(5)

       إذا كان الشيخ عبد العليم السعدي قد فارقنا بجسده، فإنه بين ظهرانينا حياً، وروحه في حواصل الطير الخضر التي تسرح في الجنة حيث تشاء. وقد خلّف لنا ثروة من العلم النافع، بما يجعله حياً مباركاً، وهذا حال العلماء الصادقين، والمربين الصالحين.

ففز بعلم تعش حياً به أبداً ** الناس موتى وأهلُ العلم أحياءُ

       وإنَّ آثاره العلمية التي تركها لتعد مثالاً رائعاً في رسم ملامح الإسلام وأركانه، فكتبه (طهارتك أيها المسلم) و(صلاتك أيها المسلم) و(صومك أيها المسلم) و(زكاتك أيها المسلم) و(حجك أيها المسلم) و(زواجك أيها المسلم) وغيرها؛ لتقف شاهداً وشافعاً له عند الله، لأنها ثمار عملية، تعلم الناس الإسلام وحقيقته الناصعة. وقد قال -صلى الله عليه وسلم- : ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)). رحمك الله يا أستاذنا عبد العليم.. ومأواك الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين.. وجزاك الله عنا وعن كل طلاب العلم والمعرفة خير الجزاء.

أما والله إنَّ الظلم شـؤم ** وما زال المسئ هو الظلوم

إلى الديان يوم الدين نمضي ** وعنـد الله تجتمع الخصوم

       إنَّ مواقفك المشهودة في نصرة الحق والوقوف جنباً إلى جنب مع المستضعفين سيسجلها التاريخ بحروف من نور.. وجهودك العظيمة في توعية المسلمين وتفقيههم ونشر البر والفضيلة بينهم ستكون محطة بارزة في تاريخكم المشرق.. ودروسك العلمية لخدمة العلم وأهله وتعليم الطلبة والدارسين ستكون الأثر البالغ في سير عجلة العلم التي لن تتوقف بحول الله وقوته حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

       فوداعاً يا أستاذنا عبد العليم.. وداعاً يا فقيه الأنبار ومفتيها.. وداعاً يا رمز الثبات والصبر.. وداعاً يا من تجسّد فيكم علم الفرائض والنحو والفقه، وعلم المنطق والكلام.. وداعاً يا راعي رابطة علماء الأنبار.. وعزاؤنا موصول لأخوة الفقيد الشهيد من مشايخنا الكرام، شيخنا العلامة الدكتور عبد الملك، وإخوته (الدكتور عبد الحكيم) و(الدكتور عبد الرزاق) و(الدكتور عبد القادر) و(الدكتور عبد الله) وكافة أبنائهم وأحفادهم.

عدد المشاهدات [1734]
أي شيء منشور في المواقع الأخرى و غير منشور في الموقع لا يُعتمد عليه و لا تصح نسبته للشيخ إلا بموافقة من إدارة الموقع .
حقوق الموقع محفوظة و لا يصح النقل الا بموافقة خطية من إدارة الموقع أو الإشارة الى المصدر.
اعلى الصفحة صفحة للطباعة ارسل الى صديق