خطب و دروس

1727 0

الرئيسية » المواضيع » دمعةٌ على شيخ رمضان

صفحة للطباعة
ارسل الى صديق
دمعةٌ على شيخ رمضان

2010-08-13 - بقلم أ.د. عبد الرزاق السعدي         دمعةٌ على شيخ رمضان

      كان الزمن أول ليلة من ليالي رمضان البهية، وكان المكان ماليزيا في مسجد الجامعة الإسلامية، وكان الحدث صلاة التراويح العشرينية، وفي إحدى ركعاتها انهمرت دموع العين العصية، كأنها وابل مطر على جبال صلدة حجرية، بعد أن سرحت مني الأفكار، وطارت روحي تقطع الفيافي والبحار، متوجهة إلى محافظة الأنبار، في عراق البلوى والصبر والشهداء الأبرار، فحطت رحالها متلهفة في الرمادي بمسجد محمد العارف، وألوت عنقها يمنةً ويسرةً وأماماً وخلفاً تحدُّ النظر لتبصر إِلْفَها الآلِف، فلم تفلح بإبصار من كانت تريد من بين الموجودين الخوالف.

       فقال لها نسيم الجنة المنبعث من أبوابها للصائمين القائمين: أيتها الروح الغريبة ماذا تريدين؟ وإلى من تدور عيناك لتبصرين؟

       قالت الروح: أفتش عن أخي وشقيقي شيخ هذا المسجد في رمضان وكل حين، فإني عهدته في المحراب إماماً يؤم آلاف المسلمين، ويصلي بهم قيام الليل خاشعين، لما لصلاته من صفة شرعية فقهية محببة إلى العابدين، فما رأيته وإني إلى رؤياه من المشتاقين، فهو الذي زارني قبل رمضان بشهر حين كنت في عمان، والتقينا جميعاً نتبادل أطراف الحديث عما جرى به الزمان، من مآسي احتلال العراق وقد عبثت به يد الذين خانوا الله ورسوله والأوطان، وقرر العودة بعد هذه الزيارة القصيرة التي لا يرتوي منها ضمآن؛ لأنها سنوات مرت من الفراق والهجران، وتوادعنا وتعانقنا وقبلت يده ليعود كل منّا إلى المكان، فأين أخي الكبير من مسجده؟ وأين شقيقي من منبره؟ ومالي أرى الحزن يخيم على الرجال؟ والدمع من عيونهم مهطال؟ والمسجد كأنه يتيم فقد أمّه وأباه من الرحال؟

       فقال لي نسيم الجنة: إن شقيقك الذي تطلبه وتبتغيه، وتفتش عنه ولا تليه، قد غادر دنياهُ إلى آخرته، وفارق أهله وإخوانه وأبناءهُ إلى ربه، غدرت به يد الإثم والضلال من الفجرة الكفره، فتلقفته يد الملائكة الكرام البرره، لترفعه إلى منازل الصديقين والصالحين والشهداء، وتمنحه صحبة الرسل والأنبياء، وتجعل مستقره روضة المتقين من العلماء، وقد أبدله ربه أهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، ومكاناً خيراً من مكانه، وزماناً خيراً من زمانه، هناك في النعيم والجنان، اجتمع مع الرجل الصالح أبيه عبد الرحمن، ومع أمه الصالحة فاطمة، فهو في عيشة راضية، وفي جنة عالية، قطوفها دانية.

       هناك أدركت روحي بالعين والسماع، أن اللقاء مع شقيقي عبد العليم السعدي كان لقاء وداع، وما كنت أدرك أن الرزية ستقع ولا اجتماع إلا يوم التلاق، فانسابت دموع العين من الآماق، وردَّد اللسان ما ردده سيد البشر والآفاق، إنا لله وإنا إليه راجعون فزت يا عبد العليم ورب الغروب والإشراق، وخسر مغتالوك بلظى الجحيم والحميم والغساق، يوم الصيحة التي ليس لها من فواق، وكن قرير العين فإخوانك لايزالون يحملون الراية فيما أردته، وأبناؤك لا ينفكون من مواصلة الطريق الذي رسمته، وأصحابك يواصلون المنهج الذي أحببته.

       فسلام عليك وا أُخياه، ونُعمى لك وا شهيداه، على أمل أن نلتقي عند العادل ناصر المظلوم، وهناك عند الله تجتمع الخصوم، وهذه كلمات من أخيك عبد الرزاق ذي القلب المكلوم.

 

الأربعاء – ماليزيا

1/ رمضان/ 1431 هـ = 11/ آب/ 2010م

 

 

عدد المشاهدات [1727]
أي شيء منشور في المواقع الأخرى و غير منشور في الموقع لا يُعتمد عليه و لا تصح نسبته للشيخ إلا بموافقة من إدارة الموقع .
حقوق الموقع محفوظة و لا يصح النقل الا بموافقة خطية من إدارة الموقع أو الإشارة الى المصدر.
اعلى الصفحة صفحة للطباعة ارسل الى صديق