خطب و دروس

8320 3

الرئيسية » كلمة سماحة الشيخ » على اسمِ الله وبركاتِهِ يُفْتَتَحُ هذا الموقِعُ

على اسمِ الله وبركاتِهِ يُفْتَتَحُ هذا الموقِعُ

2008-08-05        

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا مُحَمَّدٍ الصادقِ الوعدِ الأمين، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الغُرِّ الميامين.

أمَّا بعدُ:

       فإنَّ العلومَ من أَجَلِّ النِعَمِ التي مَنَّ الله بها على الإنسانِ، وبخاصَّةٍ المُسلمين منهم.

       ومن أبرزِها علمُ الشريعةِ الإسلاميَّةِ على اختلافِ فنونِها وأصولِها وفروعِها. فإنَّها من النعمِ الجِسامِ العِظام، ومن الأماناتِ التي حمَّلَها الله لبعضِ عبادِهِ، وطلبَ مِمَّن تحمَّلها أنْ يؤدِّيها كما حَمَلَها وأنْ لا يخونَ فيها ولا يبخلَ بها ولا يُجامِلَ على حِسابِها؛ استجابةً لقولِهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) 67 سورة المائدة.

       وأهلُ العلمِ مُطالَبون بهذا الأمرِ؛ لأنَّهم ورثةُ الأنبياءِ؛ ولقوله -صلى الله عليه وسلَّم-: {بلِّغوا عنِّي ولو آية}؛ وقوله: {نَضَّرَ الله وجهَ امرئٍ سَمِعَ مقالتي فوعاها وأدَّاها كما سَمِعَ}.

       وليحذرَ أهلُ العلمِ من قولِهِ -صلى الله عليه وسلَّم-: {مَن كَتَمَ عِلْمَاً ألجَمَهُ الله بلِجامٍ من نار}.

       ومن هذا المُنطلقِ، فقد رأى بعضُ الأحبابِ أن يُؤَسَّسَ هذا الموقِعُ لنشرِ بعضِ ما يسَّرَ الله لي من بضاعةٍ يسيرةٍ مُتواضعةٍ فقهيَّةٍ أو غيرِها؛ لعلَّ من يراها أو يقرؤها أو يسمعُها ينتفعُ بها (فرُبَّ حاملُ فقهٍ إلى مَن هو أفقَهُ منه). فوافقتُ على ذلك ولم أُعارِضْ حِرصاً مِنِّي على أنْ أُبرِزَ هذا اليسيرَ من المعلوماتِ التي مَنَّ الله بها عليَّ لهذه الأمَّةِ المُضطَهَدةِ المقهورةِ التي يريدُ دعاةُ الكفرِ والضلالِ الحيلولةَ بينها وبين دينِها وتعاليمِه والتي غُزِيَتْ في عُقْرِ دارِها بالغزوِ الفكريِّ والحِسيِّ ويريدُ أئمةُ هذا الغزوُ انحرافَها عن دينِها لتحِلَّ محَلَّه أطماعُهم الشريرةُ وعاداتُهم السيِّئةُ وأخلاقُهم المُتفسِّخةُ ومُجتمعاتُهم الهابطةُ مَحَلَّ الفضيلةِ والعِزَّةِ والكرامةِ التي حَمَلَها إليهم دينُهم، يشهدُ بذلك ما يحصلُ على أرضِ الواقعِ من تكشيرِ أنيابِهم وإظهارِ نيَّاتِهم الخبيثةِ في إطاحتِهم بالمُسلمين في كُلِّ بُقْعَةٍ ومكانٍ من بلادِ المُسلمين بسفكِ الدماءِ وهتكِ الأعراضِ ونهبِ الأموالِ والثروات. فهم يهدفون بكُلِّ وسيلةٍ إلى صدِّ المُسلمين عن دينِهم الحنيفِ وإبعادِهم عن نظامِه وتعاليمِه.

       فكان ذلك أحدَ الدوافعِ لتأسيسِ هذا الموقعِ؛ ولنشرِ شيءٍ من فضائلِ الإسلامِ وما خلَّفَه لنا سلفُنا الصالحُ من ثروةٍ فقهيَّةٍ عظيمةٍ وتراثٍ مجيد.

       ولأجلِ أن يطَّلِعَ الشبابُ المسلمُ والناشئةُ الجديدةُ -من خلالِ هذه التكنلوجيا الحديثةِ المنظورةِ، التي جعلت العالمَ بمثابةِ قريةٍ صغيرةٍ من أقصاه إلى أقصاه- إلى تعاليمِ دينِهم الحنيفِ بعد جهلٍ أو غفلةٍ لسنين طويلةٍ لم يُمْكِنْهُم الحصولُ عليها فيها. راجياً منهم خالِصَ الدعاءِ لي بإخلاصِ النيَّةِ وحسنِ الخاتمةِ وأن ينفعني بما علمتُ وأن ينفعَ بي.

       وقد اختِيْرَ له شعارُ (الأُمَّةُ الوَسَط) وذلك استمداداً من قولهِ تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) 143 سورة البقرة، وقولِه -صلى الله عليه وسلَّم-: {خيرُ الأُمورِ أوسطُها}. إذ لم نجدْ راحةً فكريَّةً أو عمليَّةً إلاَّ بالوسطيَّةِ في كُلِّ الأحوالِ والشؤونِ، وفي المُعتقدِ والقولِ والعملِ. حيثُ لم يَسْلَمْ السائِرُ في الطريقِ إلاَّ مَن لَزِمَ وسطَه وتجنَّبَ التَنَطُّعَ والتطرُّفَ في عقيدتِهِ وعملِهِ، وتجنَّبَ طَرَفَي الطريقِ؛ من خطورةٍ بالغةٍ على الفردِ والمجتمع.

  1. فالشِركُ بالله تَطَرُّفٌ، والإلحادُ تَطَرُّفٌ، والوسطُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) 1 سورة الإخلاص.
  2. وإشغالُ جميعِ الأوقاتِ بالصلاةِ تَطَرُّفٌ، وتركُ الصلاةِ بما في ذلك المفروضةُ تَطَرُّفٌ، والوسطُ: هو أداءُ الفرضِ وبعضِ النوافلِ.
  3. وصيامُ الدهرِ تَطَرُّفٌ، والإفطارُ وعدمُ الصيامِ حتى في رمضان تَطَرُّفٌ، والوسطُ: صومُ الفرضِ وبعضِ الأيَّامِ الفاضلةِ.
  4. والبُخلُ وقبضُ اليدِ تَطَرُّفٌ، والتبذيرُ وبسطُ اليدِ بدون ضوابطَ شرعيَّةٍ تَطَرُّفٌ، والوسطُ: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ) 31 سورة الأعراف، و (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) 67 سورة الفرقان.
  5. ومنعُ الناسِ من زيارة المقابرِ تَطَرُّفٌ، وزيارتُها مع التمسُّحِ والتقبيلِ والطوافِ حولها والصلاةِ إليها تَطَرُّفٌ، والوسطُ: السلامُ على الميِّتِ والدعاءِ لك وله فقط.

       وهكذا وجدنا الإسلامَ يُحارِبُ المشقَّةَ وإجهادَ النفسِ في المُبالغةِ في العملِ أو الرهبانيَّةَ في السلوكِ. كما يُحارِبُ الكسلَ والإهمالَ لأيسرِ العباداتِ والطاعاتِ.

       فهذه الوسطيَّةُ التي ننشدُها ويهدفُ إليها المُتضلِّعون في علومِ هذه الشريعةِ المُطهَّرةِ، والتي قد تجاوزها المُتطفِّلون عليها الذين لا خلفيَّة لهم بدراستِها ولا الدِقَّة في فهمِها، فغالوا وكَفَّروا أُمَّةَ الإسلامِ جهلاً وتطرُّفاً.

       وأنا حين أذمُّ التطرُّفَ فإنِّي لا أعني به ما تُرسِلُه وسائِلُ الإعلامِ عن أعداء الإسلامِ بالخلطِ بين التطرُّفِ المذمومِ وبين الدعوةِ إلى التمسُّكِ بمبادئِ الإسلامِ وتطبيقِ أحكامِهِ والالتزامِ بنظامِهِ، حيثُ أطلقوا على دُعاتِهِ المُعتدلين ألفاظاً مُفتراةً عليهم، كالأصوليِّينَ والمُتطرِّفين والإرهابيِّين والمُتخلِّفين. وتجاوز بهم الأمرُ للخلطِ بين الإرهابِ ومُقاومةِ المُعتدي المُحتلِّ للأرضِ والدينِ والوطنِ والأموال؛ بدافعِ تشويهِ صورةِ الإسلامِ الناصِعَةِ، وتمريرِ مطامِعِهم الشرِّيرةِ وطموحاتِهم السيِّئةِ في النيلِ من الإسلامِ وأهلِهِ وديارِهِ وثرواتِهِ.

فعلى اسمِ الله وبركاتِهِ يُفْتَتَحُ هذا الموقِعُ ...

نرجو الله أن يجعلَه خالِصاً لوجهِه، وأن يُجَنِّبَنا حُبَّ السُمعةِ والرياءِ، وأن ينفعَ الجميعَ به... آمين.

شكرٌ وتقدير:

       وبهذه المناسبةِ أوَدُّ أن أُعرِبَ عن خالِصِ شكري وتقديري للأخِ الفاضِلِ والرمزِ الماجِدِ، الذي استَخدَمَ مالَه وثروتَه لآخرتِهِ، وآثرَ ما عندَ الله على ما يتركُه وراءه من حُطامِ الدنيا، المُحسِنِ الحاجِّ عبدِ الوهَّابِ الحاجِّ محمود البُنِّيَّة، أدامه الله لفعلِ الخيرِ والمََبَرَّاتِ، فقد تبرَّعَ بتكاليفِ هذا الموقِعِ مُدَّخِراً له عند الله تعالى، فجزاه الله خيراً وأجزلَ ثوابَه. وأُثَنِّي بعد ذلك بالشكرِ لجميعِ أُسرةِ آلِ بُنِّيَّة الذين عُرِفَ عنهم حُبُّ الخيرِ وطلاقةِ اليدِ في سبيلِ الله تعالى. فبارك الله فيهم وأجزلَ ثوابَهم.

وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين

وصلِّ اللهُمَّ على سيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعين

 

عدد المشاهدات [8320]
أي شيء منشور في المواقع الأخرى و غير منشور في الموقع لا يُعتمد عليه و لا تصح نسبته للشيخ إلا بموافقة من إدارة الموقع .
حقوق الموقع محفوظة و لا يصح النقل الا بموافقة خطية من إدارة الموقع أو الإشارة الى المصدر.
اعلى الصفحة صفحة للطباعة ارسل الى صديق